أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
319
التوحيد
والفقاقيع وصورة الموج وكذلك صورة الجليد والبرد كل ذلك اعتبارات وتقادير وتصاوير لا وجود لها في أنفسها وإن ظهرت ، فإنما الظاهر في نفس الأمر هو الماء وحده في حال تقديره لهذه التقادير وتصويره لهذه التصاوير ، والماء غير مستتر بها عند أصحاب البصائر النافذة بالعناية الإلهية ، وأما أصحاب النفوس الأمارة بالسوء فإنهم كما قال تعالى كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ أي أعمالهم التي كانوا يعملونها بقوة نفوسهم جهلا بما الأمر عليه في نفسه ، فكانوا يكسبونها فتكون غطاء على قلوبهم فلا يشهدون الوجود الواحد الحق ، وإنما يشهدون تلك التقادير والتصاوير والتعينات المسماة بالمخلوقات ، فيرونها موجودات في بصائرهم المطموسة بحب الدنيا وقبائح الأعمال ظاهرة بالوجود لا أن الوجود ظاهر بها ، وهم يشهدون الوجود لتلك التقادير والتصاوير فهي كلها موجودات عندهم ولا يقدرون أن يميزوها عن الوجود الواحد الحق سبحانه وتعالى الذي قدر كل شيء وهو بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ و عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ و عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً و عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ و بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ و بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ و عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ فاعتبروا يا أولى الأبصار فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( وكذا السراب ) الذي يحسبه الظمآن ماء وهو ( في الحقيقة ) أي في نفس الأمر ( هواء ) محتبس فوق الأرض يرى نصف النهار كأنه ماء ( ظهر بصورة الماء ) فلهذا يحسبه الظمآن ماء ، فلما جاءه لم يجده شيئا ووجد اللّه تعالى عنده فوفاه حسابه ، فيحاسبه اللّه تعالى يوم القيامة على ما اكتسبه من الأعمال والأحوال والأقوال المبنية عنده على كونه ماء وهو ليس بماء في نفس الأمر ، فصورة الماء الظاهرة له غطاء على قلبه بسبب ضعف بصيرته عن النفوذ في حقيقة الأمر لارتكابه ما نهى اللّه عنه من المخالفات في الظاهر أو في الباطن ، وليس المراد في هذا الكلام أنه سراب التبس عليه بأنه ماء ولكن المراد مثال مضروب للإنسان في رؤيته المخلوقات التي معناها التقادير والتصاوير المعدومات التي قدرها وصورها الوجود الواحد الحق سبحانه تظهر للعبد الغافل المنهمك في شهواته وحظوظ نفسه فيرى تلك التقادير والتصاوير ويرى الوجود الواحد الحق وهو مقدّر لها ومصوّر لها ، فيسمى ما يرى مخلوقات موجودات لا شبهة عنده في أنها موجودات فيرغب فيها فينهمك في الإقبال عليها والاشتغال بها ، ويعرض عن الوجود الواحد الحق سبحانه ولا يراه ولا يشهده بل لا يعرفه بل ينكره ويجحده ويظن أنه شيء آخر في السماء أو في الخارج عن تلك المرئيات له ، أو يظن أنه حل في شيء من تلك التقادير والتصاوير ، أو أنه اتحد بشيء من ذلك وينكر على من يجده من العارفين ظنا منه بأنهم مثله في جهله وطمس بصيرته ، أو أنهم يقولون ما يقولونه بناء على ما في بصيرته هو من الالتباس فقال تعالى ( فوفاه حسابه ) أي حسابه على ما صدر منه بناء على ظنه المذكور .